توافد غير مسبوق على مدن الشمال.. اختناقات مرورية وأسعار ملتهبة وتدابير استثنائية (صور)

توافد غير مسبوق على مدن الشمال.. اختناقات مرورية وأسعار ملتهبة وتدابير استثنائية (صور)

تعيش مدن الشمال على وقع اكتظاظ غير مسبوق بفعل التوافد الكبير للزوار المغاربة والأجانب من أجل قضاء عطلة الصيف على شواطئها، وهو ما جعل شوارعها الرئيسية تعيش على وقع اختناقات مرورية شديدة، وسط شكايات من ارتفاع “خيالي” لأسعار كراء المنازل والفنادق والخدمات، في حين يطالب عدد من الفاعلين بتدخل السلطات لتنظيم ومراقبة الأمر، مع ضرورة توسعة البنية التحتية لاستعاب الأعداد الضخمة التي تتوافد على المنطقة كل صيف. ورغم التدابير الاستثنائية التي وضعتها السلطات المحلية والمنتخبة بالمدن المعنية، إلا أن مجموعة من الزوار عبروا عن تذمرهم واستيائهم من مظاهر استغلال هذا الإقبال الكبير لرفع الأسعار من طرف بعض السماسرة وأصحاب المشاريع، إلى جانب الاكتظاظ الكبير بالشوارع والشواطئ والفنادق والمرافق العمومية، وسط مطالب بضرورة حماية السياحة الداخلية من تصرفات وسوء تنظيم تعيق تطورها بشكل طبيعي. “اختناق واستغلال” مدن تطوان وطنجة والمضيق والفنيدق ومرتيل وشفشاون ووادلاو والمناطق المحيطة بهم، تشهد منذ عيد الأضحى إلى اليوم، إقبالا كبيرا للزوار، ما جعل الطرق الرابطة بين هذه المدن وداخلها تعرف ازدحاما شديدا يستمر لساعات مع حركة سير بطيئة للسيارات، خاصة عند مداخل الشواطئ، إذ عاينت جريدة “العمق” اختناقات مرورية على مستوى الطرق الرابطة بين تطوان وطنجة، تطوان وواد لاو، تطوان والمضيق ومرتيل والرأس الأسود “كابونيكرو”. بالموازاة مع ذلك، يشتكي عدد كبير من الزوار والمصطافين من ارتفاع أسعار المنازل المعدة للكراء والفنادق والمطاعم والمقاهي وحتى تسعيرة النقل عبر سيارات الأجرة الكبيرة التي وصلت إلى الضعف ببعض الخطوط، منتقدين ما يعتبرونه استغلال التوافد الكبير للزوار على المدن الشمالية لرفع الأسعار من طرف السماسرة وبعض أصحاب المشاريع بالمنطقة، محذرين من أن هذه التصرفات ستضر بالصورة السياحية للمنطقة وستنسف المجهودات المبدولة لتطوير السياحة الداخلية.

وعاينت جريدة “العمق” قيام مجموعة من العائلات بنصب خيام للمبيت بجنبات الشوارع بتطوان ووادلاو، بسبب امتلاء المنازل المعدة للكراء والفنادق بالزوار، فيما كشف عدد من الوافدين أن أسعار كراء المنازل بمرتيل ووادلاو ارتفعت إلى أزيد من الضعف، حيث تراوحت أسعار بعض الشقق ما بين 500 و1000 درهم لليلة، بعدما كانت تتراوح ما بين 250 إلى 400 درهم قبل عيد الأضحى، بينما فرض سائقو “الطاكسيات” بين تطوان ومرتيل تسعيرة 10 دراهم بدل 5، و15 درهما في الليل. كما انتشرت صور وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر حجم الاكتظاظ في شوارع وشواطئ المدن الشمالية، خاصة بكورنيش مرتيل والمضيق ووادلاو، حيث علق البعض على التوافد الكبير على هذه المدن بوسم “المغرب كلو فالشمال”، وذلك مع تدوينات تشيد بارتفاع نسبة السياحة الداخلية وانتعاش الاقتصاد المحلي، وأخرى تنتقد السلوكات الاستغلالية برفع الأسعار في مختلف الخدمات المقدمة للزوار. “فشل الدولة” المستشار الجماعي بجماعة تطوان عادل الدكداكي، وجه رسالة إلى أصحاب الفنادق ودور الكراء والمطاعم والمقاهي التي تتخذ من هذه الفترة فرصة لزيادة الأسعار، قائلا: “قالوا ناس زمان قليل ومداوم ولا كثير ومقطوع، تطوير السياحة يكون بتحسين وزيادة الخدمات المقدمة وليس في الأثمنة، والدولة استثمرت في البنية التحتية حتى أصبحت هذه الجهة في مصاف المناطق السياحية الرائدة والتي تضاهي مناطق ساحلية أوروبية مماثلة من حيث الجمالية والمنتوج السياحي”. من جانبه، صب المستشار الجماعي وكاتب مجلس جماعة الرباط، هشام الحرش، جام غضبه على طريقة تدبير الدولة للسياحة بمنطقة الشمال طيلة سنوات، مشيرا إلى أن %90 من الشواطئ الجميلة للواجهة البحرية التي يتوفر عليها المغرب على طول 3500 كلم، شيدت فوقها الفيلات والإقامات الفاخرة لأصحاب النفوذ، أما الباقي فتُرك ليتزاحم فيه الشعب، لا فنادق ولا إقامات سياحية، مضيفا: “الأمر يتم بشعار: إلى جيتي تدوز الكونجي ضبر راسك، شكون قالك خرج من دارك”.

وأضاف الحرش: “دولة لم توفر البنيات الاستقبالية لملاييين المغاربة الراغبين في قضاء عطلتهم الصيفية في شواطئ بلادهم، دولة فاشلة، لأنها وببساطة اختارت منذ الاستقلال أن تفسح الشواطئ لبناء فيلات عِلية القوم، في إطار اقتصاد الريع وشراء الولاءات بدلا من بناء فنادق ومركبات سياحية لشعبها”. وأردف بالقول: “إسبانيا نجحت في سياحتها، وهي التي يقضي فيها مليون مغربي عطلتهم الصيفية في إقامات سياحية لا يتعدى ثمن المبيت لليلة واحدة في شقة من 3 غرف 100 أورو، في حين وصل ثمن كراء بيت في درب من دروب مدينة وادلاو 2000 درهم لليلة الواحدة، واش ماشي الفشل وجد الفشل وعم الفشل وخال الفشل هذا؟”، وفق تعبيره. حماية السياحة الداخلية الفاعل الجمعوي بالرباط عبد العالي الرامي، أحد الزوار الذين اختاروا مدينة مرتيل لقضاء عطلة الصيف بعد عيد الأضحى، اعتبر أن إقبال المغاربة على المدن الشمالية لقضاء عطلتهم ظاهرة إيجابية لتشجيع السياحة الداخلية، مشيرا إلى أن هذا الأمر “يرسخ المصالحة بين الشمال والداخل المغربي والجنوب في جو من التأقلم والتعايش”، لافتا إلى أن سكان الشمال “معطائين ودائمي الابتسامة ويحسنون الاستقبال”. وحذر الرامي في تصريح لجريدة “العمق”، ممن سماهم “عديمي الضمير الذين يفسدون هذا التجمع البشري العفوي عبر استغلاله لضرب أهداف السياحة الداخلية”، قائلا: “هناك من يكدر فرحة مجموعة من المواطنين بالاستجمام والاستمتاع بشواطئ المغرب، خاصة من طرف بعض السماسرة الذين يستغلون الوضع لرفع أسعار كراء الشقق بشكل خيالي بدون جودة في العرض، وفرض حد أدنى لمدة الكراء يحددونها هم”.

واعتبر المتحدث أن كراء الشقق لا يتم بطريقة معقلنة خاصة في ظل غياب العقود، مشيرا إلى أن وزارة السياحة والجهات المسؤولة يجب أن تتدخل لتنظيم هذا التوافد السياحي العفوي للمواطنين على مدن الشمال، وذلك بما يحمي مصالح الزوار من جهة، وأصاحب المنازل المكتراة والمشاريع المحلية من جهة أخرى، مطالبا بضرورة إشهار الأسعار في مختلف الخدمات المقدمة للوافدين، والضرب بيد من حديد على العابثين بالأسعار، “لأن هذه السلوكات تدفع السائح المغربي لعدم العودة إلى المنطقة مرة ثانية”. وفي هذا الصدد، اقترح الرامي، تشجيع وتنظيم عمل وكالات الأسفار ووكالات الكراء حتى لا يبقى التعامل في هذا المجال يتم مع “المجهول”، مردفا بالقول: “التذمر من الاكتظاظ هو أمر عادي، وهذه فرصة لتنظيم وتأطير الموضوع، فهناك دول أوروبية تعرف أسعارا مناسبة لقضاء العطلة، وهو ما يجعل مجموعة من المغاربة يفضلون إسبانيا وتركيا على السياحة الداخلية”، داعيا إلى “حماية السياحة الداخلية لأنها تنعش الاقتصاد الداخلي دون انتظار السياحة الأجنبية”. وتابع قولها في نفس السياق: “رغم أن البنية التحتية بالمنطقة جيدة، إلا أنه لابد من دراسات مستقبلية لإنجاز إصلاحات وتشجيع إنشاء الفنادق وتوسعة الطرق ووضع فضاءات للتسلية ليستفيد الجميع من العطلة، فعلى سبيل المثال كورنيش مرتيل صغير ولا يستطيع استيعاب كل هذه الأعداد التي تصل إليه يوميا، وعلى الحكومة الاستثمار في المناطق التي عليها إقبال وتوفير فرص للفئات الهشة، وألا تكون هناك ضريبة مضاعفة على المواطن البسيط الذي يريد الاستفادة من العطلة”. “تدابير ناجحة” من جهته، أوضح نائب رئيس الجماعة الحضرية لتطوان، سعيد بنزينة، أن مدينة الحمامة البيضاء وسكانها متعودين على فترات الذروة كل سنة، فيما الفرق يكمن في تغير تاريخ هذه الفترة من عام إلى آخر، إذ بدأت مرحلة الذروة هذه السنة منذ 15 غشت ومستمرة إلى حدود الساعة، والسبب يرجع إلى كون أغلب الزوار اختاروا التنقل بعد عيد الأضحى، مشيرا إلى أن “ساكنة تطوان جد مسرورة بالوفود الكبيرة لأنها تنشط الدورة الاقتصادية للمدينة”، حسب تعبيره.

وأضاف بنزينة في تصريح لجريدة “العمق”، أن “عملية الذروة في التوافد على المنطقة لا تشكل أي مشكل لمدينة تطوان، بقدر ما تعاني منه نسبيا المنطقة الساحلية الممتدة من وادلو إلى الفنيدق مرورا بمرتيل والمضيق والشواطئ التابعة لهم، وذلك على مستوى بنية استقبال السياح خاصة دور الكراء، علما أن مشكل الكراء يقع للزوار الذين يصلون في قت متأخر من الليل، أما الزيارات المرتبة قبليا فلا يحدث فيها أي مشكل، وهي تمثل %90”. وتابع قوله: “منذ 4 أشهر ونحن في جماعة تطوان نستعد للموسم الصيفي، ولحدود الساعة مر شهر يوليوز بشكل طبيعي، إذ لاحظنا ارتفاعا مهما في نسبة الزاور بالنسبة لتطوان، مع تسجيل ارتياح الوافدين بفضل الخدمات التي استطعنا توفيرها بمعية السلطات المحلية، فتطوان تتوفر على إنارة جيدة تشكل رونقا للمدينة، بفضل الإنارة العمومية وصيانة النقط الضوئية والتزيين الضوئي”.

وبخصوص النظافة، يضيف المتحدث: “يمكن أن نقول إن النظافة بتطوان في مستوى جيد جدا رغم ارتفاع الأزبال والمخلفات خلال هذه الفترة 5 مرات عن المعتاد، كما أن انتشار المساحات الخضراء تميز تطوان وسط استحسان الزائرين، مع تسجيل نقطة إيجابية أخرى هذه السنة، وهي دور المدينة العتيقة لتطوان في جلب السياح بعد الإصلاحات الأخيرة، خاص في ظل المعالم التاريخية التي تحتويها كتراث إنساني عالمي، أصبحت معها نقط جذب للسياحة الداخلية والخارجية”. المسؤول الجماعي لفت إلى أن من بين الأمور الذي ساعدت على عدم حدوث مشاكل في تطوان، المجهود الكبير من طرف الأمن لتنظيم السير الوجولان رغم الارتفاع الكبير في أعداد المركبات العابرة أو القاطنة، مشيرا إلى أن الأنفاق تحت أرضية الأربعة التي شُيِّدت بالمدينة خلال السنوات الأخيرة ساعدت بشكل كبير في انسيابية السير والجولان، إضافة إلى عملية التشوير التي أقيمت بمجموع تطوان، والتي سهلت التنقل داخل المدينة.

ز
نُشر
< السابق
التالي >