نساء “أسامر”.. قرويات حاربن متلازمة “شيطنة الأنثى” و”تقديس الذكر”

نساء “أسامر”.. قرويات حاربن متلازمة “شيطنة الأنثى” و”تقديس الذكر”

إكرام أقدار _ صحافية متدربة

رمز للصبر والعطاء والتضحية، تلك هي “المرأة الأسامرية”، نسبة إلى أسامر أو “حوض دادس ” بالجنوب الشرقي للمغرب.

التاريخ يشهد أن “المرأة الأسامرية” كانت دائما حاضرة وبشكل وازن داخل الأسرة والمجتمع، ويتجلى ذلك في تدبيرها للشأن اليومي من خلال إشرافها على شؤون الأسرة والتربية ثم في تدبيرها للشأن الاقتصادي من خلال مساهمتها في الإنتاج.

كما تشارك المرأة الأسامرية في الشأن العام من خلال الزعامة السياسية وكذا في العمل الجمعوي، ثم المناصب الوظيفية التي صارت تحصدها المرأة بحوض دادس، الشيء الذي يبين ملامح حاضر أحسن من ذي قبل ويبشر بمستقبل أفضل.

فمتى ألقينا نظرة على واقع المرأة بـ”أسامر” بين الأمس واليوم نجد أن الوضعية تغيرت إلى حد ما.

تقول تودة أيت فسكا، (54 سنة)، وهي قروية من بومالن دادس نواحي تنغير، لجريدة “العمق”: “في أيامنا كانت المرأة تضحي بشبابها وأنوثتها لأجل الأجيال القادمة، تستيقظ قبل بزوغ الفجر وتخرج لتحضر حطب التدفئة والطبخ وتحضر طعام الماشية شتاء وصيفا وتقوم برعاية بيتها وأبنائها”.

هكذا فالمرأة بأسامر محاربة بطبعها، ومع كل هذه المعاناة تقول “تودة”: “لم نكن نشتكي لأن المرأة تحتفظ في ذهنها بفكرة واحدة هي أن المرأة خلقت لتأمن الراحة والرعاية داخل البيت”.

كانت المرأة بحوض دادس مطالبة بتربية الماشية والاهتمام بكل أفراد الأسرة بمن فيهم آباء الزوج، فقد كانت الأسرة ممتدة وهي التي تتكون من الزوج والأبناء والجد والجدة والأعمام، وفي ظل التحولات الاجتماعية العميقة وانتقال الأسرة من أسرة ممتدة إلى أسرة نووية تستمر المرأة بأسامر في أداء أدوارها التقليدية إضافة إلى أدوار جديدة.

وفي هذا الإطار، يقول مولاي يوسف بولحفات، باحث سوسويولوجي وأنثروبولوجي بالمنطقة في حديثه مع “العمق”، إن “المرأة الأسامرية بين الأمس واليوم سؤال يستحق النقاش لنعرف مدى تطور وضعية المرأة بأسامر ومساهمتها في الكثير من التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تحدث داخل المجتمع المحلي والمغربي عموما”.

ويضيف بلحفات: “عندما نستحضر المرأة في السياقات التاريخية فيجب أن نعترف أن المرأة كانت مناضلة، “عدجو موح” هذا الاسم الذي كان ولا زال محفورا في الذاكرة الجماعية للأسامريين، ساهمت في محاربة المستعمر، فالمرأة كانت شاعرة تنظم الشعر لتشجيع الرجال على التصدي للمستعمر، وكانت المرأة الأسامرية تساهم في الطقوس الاحتفالية المحلية على اختلافها”.

واعتبر أن “طبيعة المجتمع الذي كانت تنتمي إليه المرأة الأسامرية بالأمس هو مجتمع أبوي ذكوري بامتياز يكرس ثنائية خطيرة وهي ثنائية تقديس الذكور، في مقابل “شيطنة” الإناث وتشجيع الذكور على التمدرس والحصول على المناصب في مقابل التضحية بالإناث، وكذلك ثنائية الشرف والعار، فقد كانت الأسرة تخاف من العار الذي قد تلحقه الفتاة بالعائلة إذا ذهبت إلى المدرسة أو الجامعة، أما الآن فهناك تحول جذري في النظرة إلى الفتاة وتمدرسها”.

من جهة أخرى، لم تكن مسألة ولوج المرأة لعالم السياسية بأسامر الأمس قابلة حتى للتخيل، ففي ظل التقاليد والعادات كانت المرأة بأسامر تعاني من إقصاء رأيها وعدم السماح لها بالدراسة وبالمشاركة السياسية الفاعلة في المجتمع خارج البيت، لكن المسألة تغيرت اليوم.

وفي هذا الصدد لا بد من استحضار أيقونة درعة تافيلالت “هنو أوماروش” الملقبة بـ”سفيرة المواطنة المدنية” كما يسميها كثيرون، وهي فاعلة جمعوية بالمنطقة، عرفها المغاربة كواحدة من النساء الصلبات اللواتي حفرن أسماءهن على صفحات النضال الاجتماعي عن جدارة واستحقاق.

فرضت أوماروش نفسها بفضل تدخلاتها الشرسة وهي تدافع عن منطقتها المهمشة والمعزولة (الجماعة القروية تلمي) حتى يصل صوتها للمسؤولين.

ولجت أوماروش لأول مرة عالم السياسة سنة 2015، عندما استطاعت أن تحجز لنفسها مقعدا داخل المجلس الجماعي لجماعة تلمي التابعة لإقليم تنغير خلال الانتخابات الجماعية الأخيرة بلون حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد إلحاح طويل من قبل أعضاء الحزب بالمنطقة على استقطابها .

تعد واحدة من المدافعات الشرسات عن حق النساء في التعليم و الصحة وكل الحقوق التي يتمتع بها الرجال، من يسمع المرأة وهي تصرخ من أجل أن تنعم بنات منطقة تلمي حيث تتحدر، يظن أن المرأة تربت في جمعيات نسائية وتشبعت بثقافة حقوق الإنسان، التي تدركها هذه السيدة بمنطق العقل الذي تعلمت أبجدياته منذ وقت مبكر لوحدها متكئة على ذكائها المتقد ونظرتها الثاقبة للأمور.

وفي جل خطبها، لا تفوت المرأة الفرصة لتطلب حضور المسؤولين لزيارة منطقتها والتعرف عن قرب على مشاكل السكان ومعاناتهم مع غياب التمدرس وضعف البنيات التحتية وقلة الموارد وانعدام الخدمات الصحية وغيرها من المشاكل التي تهمها بالدرجة الأولى بعيدا عن باقي مناحي الحياة.

هنو اوماروش ليست استثناءً فغيرها كثيرات ممن أسمعن صوتهن وفرضن أنفسهن في مختلف المجالات، فهذه “فاتحة واعلي” ابنة أسامر من بين أنجح الإعلاميات بقناة “سكاي نيوز”، وهذه لبنى بوزاهر مهندسة دولة في الصناعة واللوجيستيك، ورئيسة جمعية “أيت ريدي” للتنمية والثقافة، وآخريات صنعن التغيير وجلبن الفخر لأسامر.

ويلوح في أفق أسامر اسم آخر لفنانة تشكيلية أسامرية متألقة وهي فاطمة ملال، المتحدرة من دوار تملال، ضواحي بومالن دادس، ولدت وترعرعت وسط مجتمع محافظ تحكمه الأعراف والتقاليد، ولم تلج في صغرها المؤسسات التعليمية كباقي الأطفال، لكنها كانت منذ نعومة أظافرها مولوعة بالفن التشكيلي.

شاركت فاطمة ملال في مجموعة من المعارض الوطنية والدولية، في الولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، والبحرين، وسويسرا، وغيرها من البلدان الأوروبية، لطالما رددت رسالتها التي تسعى إلى إيصالها إلى جميع النساء بالعالم القروي هي: “كافحن واحملن على عاتقكن المساهمة في النهوض بأوضاعكن والمساهمة في رسم معالم مستقبلكن بأنفسكن”.

فاطمة ملال هي أيقونة من أيقونات التغيير، حملت على عاتقها المساهمة في النهوض بأوضاع المرأة القروية عامة والمرأة بدوارها الأصلي “تملال”، ضواحي بومالن دادس، حتى استحقت لقب “المحامية” وصاحبة “الرسالة النبيلة” التي تغيب النوم عن جفون “محاربي اندماج المرأة في المجتمع”، وتقض مضاجعهم بلوحاتها التشكيلية التي ترافع من خلالها عن القضايا الاجتماعية والحقوقية لهذه الفئة من خلال الأشكال والألوان.

إنها مؤشرات بارزة للتحولات التي حدثت على مستوى البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية، الآن أصبحنا ننظر إلى المرأة بتصورات مختلفة إلى حد كبيرة عن التصورات الموجودة في السابق. أصبحت المرأة بأسامر تلج إلى الكثير من الفضاءات وتناقش داخل الأسرة وخارجها وينصت إلى رأيها، ساهمت في بناء أجيال جديدة تفكر بطريقة جديدة، أجيال تحاول التمرد على البنيات القبلية. ولجت الإعلام وانفتحت على عدة مجالات.

رغم أن هذا التحول غير وضعية المرأة إيجابيا، إلا أن التحديات والمشاكل لا زالت حاضرة لأن أسامر لا يرغب في التحرر والانفتاح بالكامل، لا زالت ملامح التشبث بالماضي وبالتقاليد حاضرة بشكل او بآخر.

ح
نُشر
< السابق
التالي >