إيديا وبعدها دعاء.. ضعف “الصحة” يفاقم معاناة سكان درعة تافيلالت

إيديا وبعدها دعاء.. ضعف “الصحة” يفاقم معاناة سكان درعة تافيلالت

توفيت الطفلة إيديا بعد سقوطها على الدرج بسبب غياب “السكانير” بالمستشفى، وبعدها “دعاء” بسبب غياب المصل الخاص بسم العقارب بعدما لسعتها عقرب، وقبلهما عانى الكثير من سكان جهة درعة تافيلالت من ضعف الخدمات الطبية وغيابها في أحيان كثيرة، وسياعني بعدهما المئات إذا لم يتم إصلاح الوضع الصحي بالجهة.

“ثلث المستوصفات لا تتوفر على أطباء وجل المراكز الصحية لا يتجاوز عدد الممرضين فيها اثنين، كما أن مجموعة من المستوصفات مغلقة و بعضها يقدم الخدمات مرتين في الأسبوع”. جمل لخص بها مبارك جميلي المستشار البرلماني، واقع قطاع الصحة بجهة درعة تافيلالت، والذي يعد أكبر شاهد على التفاوت الجهوي في المغرب، حيث تشكو جميع المستشفيات الإقليمية و المراكز الصحية القروية و الحضرية من نقص فادح في المراكز الصحية و المستشفيات ونقص الأطر الطبية و شبه الطبية (الأطباء العامون والممرضون متعددو الاختصاصات) و في التجهيزات البيوطبية الكفيلة بتقديم خدمات علاجية في المستوى.

وأكد ابراهيم ريزكو عضو في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بزاكورة أن المنطقة تعاني من الإهمال في قطاع الصحة من طرف الدولة و المسؤولين، و يتجلى ذلك في ضعف البنية التحتية و التجهيزات و التخصصات، إلى جانب غياب تام للأطباء خاصة في القطاع العام حيث لا يتعدى عددهم 12 طبيبا.

ووصف ريزكو المستشفى الإقليمي لزاكورة بأنه “المستشفى المقبرة”، مشيرا إلى أن “المواعيد و لوائح الانتظار بالمستشفيات تصل من ستة أشهر إلى سنة”.

واستنكر المتحدث ذاته التماطل في تقديم الخدمات العلاجية للمواطن قائلا: “لماذا يتم إرسال المرضى من مناطق قروية نائية إلى مستشفيات بعيدة؟ ولماذا لا يتم استقبال المرضى في مستشفيات قريبة كمستشفى سيدي حساين بورززات بالنسبة لساكنة المناطق المجاورة؟ فأسبوعيا تنتقل أكثر من 13 سيارة إسعاف للراشيدية أو مراكش”.

إيديا المنحدرة من جماعة تودغى العليا بإقليم تنغير، والتي توفيت قبل سنتين إثر تعرضها لنزيف دماغي بعد إصابتها بكسر على مستوى الجمجمة، نقلت على إثره للمستشفى لإقليمي بالمدينة ذاتها، لكن عد توفر الأخير على تجهيزات طبية كفيلة بتقديم العلاجات الضرورية لها، دفع إلى توجيهها إلى المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف بالراشيدية، حيث تم إخضاعها للفحص بجهاز “سكانير”، إلا أنها توفيت بعد نقلها للمستشفى بفاس، الأمر الذي خلف موجة استياء كبيرة وحزن ممزوج بالغضب تقامسته أسرتها مع كل المغاربة خاصة ساكنة الجهة.

وفي تصريح ل”حورية”، يقول إدريس فخر الدين، والد إيديا : “وفاة ايديا عرت واقع وضع السياسية العمومية و قطاع الصحة بالمنطقة وهذا يدل على اشكالية عدم القدرة على تدبير السياسات العمومية في قطاع الصحة”.

و يحمل فخر الدين الحكومة و المسؤولين المسؤولية قائلا: “مشكل الخصاص في الموارد و التجهيزات هي أعذار فتوفير التطبيب والعلاج حق أساسي للمواطن.. ويمكن تأجيل المواعيد، لكن لا يمكن تأجيل المرض”.

واعتبر نشطاء بموقع “فيسبوك” أن وفاة “إيديا” ناتجة عن “الإهمال الطبي” وعدم توفر مستشفى تنغير والراشيدية على تجهيزات طبية كفيلة بإنقاذ حياة الطفلة، إذ تم تعريض حياتها للخطر بعد أن جابت ثلاثة مستشفيات لمسافة 500 كيلومتر، على متن سيارة إسعاف “مهترئة”، فانتهى بها المطاف بلفظ أنفاسها الأخيرة بمستشفى بفاس.

نفس القصة بتفاصيل مختلفة، عاشتها دعاء ذات الأربع سنوات والمنحدرة من قرية ” إكنيون ملال ” بنواحي زاكورة، إثر تعرضها للدغة عقرب ليتم نقلها إلى مستشفى ورززات الذي يبعد ب150 كيلومترا، وذلك بسبب عدم توفر مصل مضاد للسموم بمستشفى زاكورة، إلا أنها لفظت أنفاسها قبل وصولها.

الصحفي ميمون أم العيد قال في هذا الصدد: ” مُشكل العقارب في زاكورة ودرعة تافيلالت عموما مشكل مؤرق جدا، وما تعرض له الصديق يوسف أوباعسن وأسرته الكريمة اليوم بفقده لفلذة كبده دعاء تعرض له آباء كثر قبله، كلما وقع حادث من هذا النوع، يغيب النوم من جفون الأمهات والآباء،ويستيقظون لأبسط حفيف ويشعلون المصابيح في محيط أطفالهم للتأكد من عدم تعرضهم لمكروه، لكن العقارب لا تحدث صوتا، ولا تعلن عن مواجهة قبلية ليستعد لها الأباء والأمهات دفاعا عن أطفالهم”.

ابراهيم ريزكو يؤكد تصريحات ميمون ويوضح : “هناك ضعف كبير في مسألة محاربة لسعات العقارب و الأفاعي نظرا لارتفاع درجة الحرارة و عدم توفر أدوية و مضادات”.

و يضيف: “هذه المشاكل شكلت دافعا لهجرة السكان من مناطق جهة درعة تافيلالت المنسية و المهمشة إلى مدن الوسط.. نحن ندق ناقوس الخطر للدولة ! فإن لم تكن هناك تنمية و إعادة نظر في قطاع الصحة فلن يبقى في جهة درعة تافيلالت إلا النخيل الباسق”.

وقال الفاعل الجمعوي موحا العين متحدثا عن مسقط رأس دعاء: “إكنيون منطقة جبلية تنتمي إلى إقليم تنغير و يبلغ عدد سكانها 18235 نسمة حسب احصاء 2014 عن المندوبية السامية للتخطيط لكنها تتوفر على مستوصفين و صيدلية واحدة، و سيارتا إسعاف، إحداهما تابعة للجماعة المحلية و الثانية وفرتها احدى الجمعيات بالمنطقة، و يؤدى المواطنون مبلغا ماليا بغية استعمالهما”.

فبسبب هذا النقص يضيف موحا: “بالنظر إلى عدد السكان فإن المنطقة بحاجة إلى أكثر من مستوصف و أكثر من صيدلية، وأطباء، لذلك يتم إرسال المرضى إلى مدينة تنغير أو الراشيدية حتى في أبسط الحالات. حتى اعتبرت الساكنة المستوصف الوحيد محطة نقل للمسافرين، تؤشر بطائق عبورهم نحو العلاج أو الموت”.

و يضيف والد الطفلة الراحلة إيديا في تصريحاته ل”حورية”: “الجهة تعاني من التمييز فالأطباء لا يرغبون في الاستقرار بمناطق قروية و مهمشة”.

و يقترح أن توفر الحكومة و المؤسسات المعنية حلولا عبر توفير الظروف المناسبة لهؤلاء الأطباء من أجل عمل وخدمة جيدة، وأن تمول الدولة القطاع الصحي كأولوية بدل تبدير الأموال في أمور ثانوية و كذا إنصاف الجهة من حيث عدد الأطر الطبية في القطاعين العام و الخاص”.

و تطرق كذلك خير الدين إلى مسألة ضرورة توفير التكوين الجيد، مشيرا أن قطاع الصحة والتعليم مترابطين، وبالتالي فلإصلاح الصحة يجب اصلاح التعليم، دون إغفال مسألة الوازع الإنساني الذي يحتم على الأطر أن يتحلوا به، ويختم حديثه: “يجب أن تكون طبيب لإنقاد حياتك، وإنقاد حياة الناس”.

وفي السياق نفسه، قدمت مؤسسة ” فيتيش سولوشنز” تقريرا حديثا أصدرته أواخر شهر يونيو المنصرم، تؤكد فيه أن القطاع الصحي المغربي يتخبط في عدة مشاكل.

و تشير المؤسسة الأمريكية أن المرضى و الأطباء يعبرون بشكل مستمر عن عدم رضاهم عما يعيشونه في النظام الصحي والطبي في البلاد، خصوصا في الجوانب التي تتعلق بالفساد المستشري بشكل كبير و تدني مستوى الرعاية الاجتماعية، و أيضا الظروف المهنية غير الملائمة و السيئة.

إكرام أقدار

ح
نُشر
< السابق
التالي >