تبذيرُ الماء بالحمامات .. حقٌ في “تبراع” الجسد أم انتهاك لحق جيل الغد؟

تبذيرُ الماء بالحمامات .. حقٌ في “تبراع” الجسد أم انتهاك لحق جيل الغد؟

كانت المواقع الإلكترونية والجرائد الورقية المغربية تعج بشكل لا يصدق بأخبار تخص تقريرا حديثا أصدره المعهد العالمي للموارد المائية والذي يصنف المغرب ضمن لائحة البلدان المهددة بشكل مباشر بالعطش.

التعليقات متعددة، البعض اعتبر التقرير “ناقوس خطر” والبعض الآخر دعا لحملات تحسيسية عاجلة، أما آخرون فاعتبروا التقرير “مؤامرة” وأن خيرات المغرب كثيرة.

من يقرأ التقرير ويؤمن بتفاصيله ويدخل إلى حمام تقليدي مغربي نسائي في نفس اليوم، يجد نفسه مصابا بـ “حمى” تناقضات صارخة، فهذه تهدر أزيد من 10 سطول لغسل الشامبو من شعرها، وتلك فتحارب الجراثيم على سطحية الحمام بسطلين من الماء النقي الصافي.

فهل يجعل التقرير الدولي المسؤولين عن قطاع الماء في المغرب يفكرون في مراقبة السبل التي يتم بها تبذير المياه في المغرب، وأولهم “الحمام المغربي التقليدي”؟.

موقع “حورية” حمل هذا السؤال إلى خبراء مختصين في مجال البيئة والماء، لعلنا نجد الجواب لدى الخبراء وأصحاب الحمامات، بعدما واجهنا صمت هواتف المسؤولين في الوزارة الوصية.

أسئلة بلا إجابات

كان لقاؤنا بالحاج أحمد (صاحب حمام تقليدي) في بداية الأمر مرحا، فبعد أن علم أننا ننجز تقريرا عن الحمامات، أبدى استغرابه وقال إنه لم يقرأ مادة صحفية على جريدة مغربية تخص الحمامات، سوى تلك التي تكشف “الكوارث”، مشيرا بذلك إلى الأخبار التي تكشف ضبط امرأة وهي تصور نساء عاريات في الحمامات.

ضحكنا قليلا.. وأوضحنا له زاوية تقريرنا بعجالة، وبدأنا في طرح الأسئلة: – كم تقدر الكمية التي يستهلكها الحمام كل يوم؟ – أجاب بطريقة لا مبالية .. “بزاف ولم نحصيها يوما، لأننا نتوفر على بئر”. – كم سنة مرت على حفركم هذا البئر؟ – لا أتذكر عدد السنوات.. لكنها مدة طويلة، فبناء حمام مغربي أصيل، يستلزم التوفر على بئر قبل كل شيء.

– هل تفرض عدد السطول التي يجب أن يستهلكها زائرو حمامك؟ – لا يمكننا ذلك، الزبون يأتي للحمام لـ”يبرع نفسه ويخرج جديد”، ونهض من فوق كرسيه في محاولة منه لإنهاء الحديث.

– هل يزوركم مسؤولون لمراقبة كمية المياه المستهلكة في الشهر أو السنة؟ – “باغا تجبدي لينا الصداع”.. واستدار وذهب دون سماع توضيحنا. طرقنا بعدها أبواب عدة حمامات، بحثا عن إجابات هذه الأسئلة، لكننا لم نتلق أي إجابة شافية، وربما كان الحاج أحمد أكثر شخص قابلناه تقبلا لأسئلتنا.

دكتور باحث في علم البيئة: الماء ملك للجميع .. والزجر قبل التحسيس

اعتبر الدكتور الباحث في علم البيئة عبد الرحيم حيظر أن الأصل في النظام البيئي هو أن الماء ملك للجميع وأن استهلاكه يسلتزم احترام شروط وقوانين معينة. وأوضح ذات المتحدث، أن قانون الماء الجديد (15-36) ينص بشكل واضح على الملكية العامة للماء، ويفرض أداء “مبلغ” مالي مقابل استهلاك الماء أو تلويثه.

وثمن الباحث المغربي الطريقة التي تنهجها بعض الحمامات التقليدية المغربية والتي تعلن لزوارها أن المدة المخصصة لكل شخص لا يجب أن تتعدى 20 دقيقة أو 30 دقيقة كحد أقصى، وهو ما اعتبره المتحدث “وسيلة” لمحاربة تبذير الماء في بعض الحمامات.

كما شدد حيظر على أن مراقبة كميات المياه المستهلكة من طرف بعض الحمامات، تفرض التواصل مع أصحابها ومسيّريها، لا مع الزبائن، موضحا: “إذا تم التواصل بشكل مباشر مع أصحاب الحمامات، وفرض غرامات مالية على الاستهلاك المفرط للمياه ولما لا وضع عدادات لقياس الكميات، سيكون هؤلاء مجبرين على “خلق” طرق لضمان الاستهلاك الرشيد”.

وختم حديثه بوجوب إلزام “الزجر” في الحالات التي تفرض ذلك، لأنه وبواسطة التحسيس وحده لا يمكن أن نصل للغايات المرجوة”.

باحث في مجال البيئة: التوعية هي الحل

قال عبد الحكيم الشتوي، باحث في مجال البيئة، إن الشريعة الإسلامية نصت بشكل صريح على عدم تبذير المياه ورعايته والمحافظة عليه من التبذير والإسراف.

واستشهد بالاية القرانية 22 من سورة الحجر: “وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ”، وهذه رسالة ودعوة من الله عز وجل للحفاظ على الماء وخزنه.

وأضاف في ذات السياق: “الرسول (ص) جسد هذه السلوكيات في حياته، فقد مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم! وإن كنت على نهر جار.

وأكد أن قصة الرسول مع سعد توضح ضرورة الحفاظ على العناصر البيئية وبما فيها الماء، حتى لو كنا نتصور أنها لا تنتهي.

وأوضح أن عشرة دراهم أو العشرين درهم لا تشفع الإسراف والتبذير التي تشهدها بعض الحمامات المغربية، خاصة أن التقارير الدولية تدق ناقوس الخطر في هذا المجال.

واتفق الشتوي مع الباحث في علم البيئة الدكتور عبد الرحيم حيظر، في أن الماء مشترك إنساني يتقاسمه جميع الأجيال، لذلك لا يجوز الإسراف في استهلاكه: “فلو تصور كل إنسان منا في الوقت الذي يسرف في استهلاك المياه في الحمام مثلا،تصور إخواننا الذين لا يجدون قطرة ماء في جبال ومناطق مقطوعة لحلت المشكلة”.

واعتبر المتحدث ذاته أن التوعية بأهمية الماء هي الوسيلة الأولى والأضمن لمراقبة استهلاك الماء في الحمامات التقليدية وغيرها.

معلومات غير متوفرة

للأسف لا توجد أرقام دقيقة عن عدد الحمامات التقليدية المتواجدة في المغرب، لذلك لا يمكن الحديث عن حجم الماء المستهلك من طرفها، إلا بتدخل الوزارة الوصية بشكل مباشر.

ح
نُشر
< السابق
التالي >